يتساءل بعض المؤمنين عمّا إذا كانت رسالة رومية ١٤: ٥-٦ تسمح للمسيحيين باختيار اليوم الذي يريدون تخصيصه للعبادة. تقول الآية: «هُوَ يَفْضُلُ يَوْمًا عَنْ يَوْمٍ، وَآخَرُ يَفْضُلُ كُلَّ يَوْمٍ. لِيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ. اَلَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ، وَالَّذِي لَا يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ لَا يَهْتَمُّ. وَالَّذِي يَأْكُلُ، فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ، لِأَنَّهُ يَشْكُرُ الرَّبَّ. وَالَّذِي لَا يَأْكُلُ، فَلِلرَّبِّ لَا يَأْكُلُ، وَيَشْكُرُ الرَّبَّ.» (رومية ١٤: ٥-٦)
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ بولس يصرّح في رومية ١٤ بأنّ وصيّة السّبت ليست ضروريّة، ولكن عند قراءة النصّ في سياقه الكامل، يتّضح أنّ الحديث هنا لا يتعلّق بالسبت الأسبوعي أو بأعياد الرَّبّ، بل بالممارسات الشخصيّة للصوم والعادات الطقسيّة المختلف عليها بين المؤمنين.
فهم سياق رومية ١٤
يبدأ بولس في رومية ١٤: ١ بقوله: «وَأَمَّا الضَّعِيفُ فِي الإِيمَانِ فَاقْبَلُوهُ، لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ.» في الكنيسة الأولى، كانت هناك خلافات حول الأطعمة والعادات الدينية. فكثيرون من المؤمنين الجدد في رومية جاؤوا من خلفيّة وثنيّة حيث كان اللحم يُقدَّم للأصنام، ولهذا امتنع بعضهم عن أكل اللحم خوفًا من أن يتنجّسوا.
لكن بولس يوضّح أنّ الأطعمة المقدَّمة للأصنام لا تملك أيّ قوّة روحيّة لأنّ الأصنام لا وجود حقيقيّ لها: «لأَنَّهُ لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالَمِ، وَإِنْ لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِدٌ.» (١كورنثوس ٨: ٤). لذلك فالأكل لا ينجّس الإنسان أمام الرَّبّ.
الأكل والصوم وتقدير الأيام
عندما يقول بولس: «هُوَ يَفْضُلُ يَوْمًا عَنْ يَوْمٍ»، فهو يشير إلى أيّام الصوم الطوعيّة، لا إلى الأيام المقدّسة كالسبت. فاليهود كانوا يصومون في أيّام محدّدة (لوقا ١٨: ١٢)، وكذلك في أيّام الحداد (زكريا ٧: ٤-٧)، وأيضًا كان للأمم ممارسات صومٍ خاصّة. لذلك، كانت توجد اختلافات بين المؤمنين في اختيار الأيام التي يصومون فيها. البعض خصّص أيامًا للصوم، وآخرون اعتبروا كلّ الأيام سواءً. فحثّ بولس الجميع على احترام قناعات بعضهم بعضًا.
وشدّد أنّ الصوم يجب أن يكون للرَّبّ لا لمجد الذات: «وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَبُوسِينَ كَالْمُرَائِينَ…» (متى ٦: ١٦). فالذي يصوم أو لا يصوم، إن فعل ذلك بإخلاص، فليفعل للرَّبّ.
السبت والشرائع الطقسيّة
رومية ١٤ لا يتكلم عن السبت الأسبوعي الموجود ضمن الوصايا العشر. فالسبت جزء من الشريعة الأخلاقيّة للرَّبّ، لا من الآراء الشخصية. فقد تأسّس عند الخلق: «فَفَرَغَ الرَّبُّ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ الرَّبُّ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَقَدَّسَهُ.» (تكوين ٢: ٢-٣). كما أكّدته الوصية الرابعة (خروج ٢٠: ٨-١١) وحافظ عليه المسيح نفسه (لوقا ٤: ١٦).
كما لا تشير الآية إلى الأعياد السنوية المذكورة في لاويين ٢٣، إذ كانت تلك الأعياد رموزًا لعمل المسيح الفادي، وقد أُبطلت بعد الصليب (كولوسي ٢: ١٤-١٧). أمّا السبت فليس مؤقّتًا، بل عهد دائم بين الرَّبّ وشعبه (خروج ٣١: ١٦-١٧).
موقف بولس من الممارسات اليهودية الأولى
فهم بولس أنّ المؤمنين اليهود كانوا لا يزالون متعلّقين بعاداتهم الطقسيّة، لذلك لم يجبرهم على التخلّي عنها فورًا. بل استخدمها أحيانًا كوسيلة لخدمة الآخرين. فقد حضر أعيادًا (أعمال ١٨: ٢١)، وختن تيموثاوس لأجل اليهود (أعمال ١٦: ٣)، وشارك في طقوس التطهير (أعمال ٢١: ٢٠-٢٧). لم يفعل ذلك كشرطٍ للخلاص، بل كجسرٍ للتواصل.
ومع مرور الوقت، اختفت هذه الطقوس تدريجيًا مع نموّ الفهم الروحي للمؤمنين، وانتقل التركيز من الطقوس إلى المعنى الروحي في المسيح.
المعنى الحقيقي لرومية ١٤: ٥-٦
تعلّمنا هذه الآية أنّ المؤمنين لا ينبغي أن يدينوا بعضهم بعضًا في أمور العادات أو الأطعمة أو الصوم، فكلّ إنسان يتصرّف حسب قناعته أمام الرَّبّ. لكن السبت ليس موضوع رأي، بل وصيّة إلهية ثابتة. لم يعلّم بولس أبدًا أنّ للمؤمنين حرية اختيار سبتٍ آخر، بل قال: «أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ.» (رومية ٣: ٣١).
تفسير المفسّرين لرومية ١٤
يؤيّد العديد من العلماء هذا الفهم، منهم جاميسون وفوسيت وبراون الذين أوضحوا أنّ رومية ١٤: ٥-٦ لا تلغي السبت، بل تتحدّث عن ممارسات تطوّعية أو طقسية. وجاء في تفسيرهم: «إذا كان السبت أقدم من اليهودية ومكتوبًا في الوصايا العشر وقد نُطق به وسط رعود سيناء، فلا يمكن اعتباره من الأعياد المؤقتة. وابن الإنسان نفسه قال: إنّ ابن الإنسان هو ربّ السبت أيضًا.» (مرقس ٢: ٢٨)
إذًا، كلام بولس في رومية ١٤ يشجّع على الوحدة بين المؤمنين، لا على تجاهل وصايا الرَّبّ.
احترام الضمير ووحدة الكنيسة
الرسالة الأساسيّة في رومية ١٤ هي دعوة للسلام والاحترام المتبادل في الكنيسة. فكلّ واحد سيعطي حسابًا عن نفسه للرَّبّ (رومية ١٤: ١٢). لذلك، من هو قويّ في الإيمان يجب أن يحتمل الضعيف (رومية ١٥: ١). بهذه الروح من المحبة، تُبنى الوحدة في جسد المسيح.
الخلاصة
لا يعلّم في رومية ١٤: ٥-٦ أنّ المؤمنين أحرار في اختيار يوم العبادة، بل يتناول أيّام الصوم والعادات الشخصية. فبولس يدعو إلى الاحترام المتبادل لا إلى تغيير وصايا الرَّبّ. السبت لا يزال يومًا مقدّسًا مكرّسًا من الرَّبّ منذ الخلق، وبقي رمزًا للعهد بينه وبين شعبه، كما أنّ الإيمان الحقيقي يقود دائمًا إلى الطاعة والوحدة في المسيح.

Comments
Be the first to comment on this article — share your thoughts above and start the discussion.