يُسيء البعض تفسير الآيات في يوحنا ١٢: ٣٧-٤٠ على أنها تعني أن قدر الفريسيين كان مسيّر مسبقًا من قِبَل الرّب لرفض يسوع. لنتفحص الآيات:
“وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا: «قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ.»
كانت نبوّة إشعياء مجرد تنبؤ بما رآه عِلم الرّب المسبق سيحدث (إشعياء ٥٣: ١). النبوّات لا تُشكّل أو تغيِّر شخصيات البشر. يتصرف البشر وفقًا لإرادتهم الحرة (متى ١: ٢٢). المعرفة الإلهية المسبقة والقضاء الإلهي لا يستبعدان بأي حال من الأحوال حرية الإنسان.
الرّب لا يُسيِّر الناس
لا يُشير أيٌّ من كُتّاب الكتاب المقدس إلى أن الرّب يسيِّر بعض الناس للخلاص وآخرين للهلاك، بغض النظر عن اختيارهم في هذا الأمر. إن المعرفة المسبقة بالخيارات التي سيتخذها الناس تختلف تمامًا عن التحديد المسبق لها. يمنح الرب الجميع حرية الاختيار بين الخلاص والهلاك. الرب، كونه عليمًا بكل شيء، يعلم ما سيختاره الناس. لكنه لا يعترض قرارات البشر بتسيير حياتهم مسبقًا.
الكتاب المقدس واضح بشأن حقيقة أن الرّب ” يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ.” (تيموثاوس الأولى ٢: ٤). ” لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ.” (بطرس الثانية ٣: ٩). يؤكد الرّب ذلك بقوله: “حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا…” (حزقيال ٣٣: ١١). “… وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا.” (رؤيا ٢٢: ١٧)
ويقول الرب: “اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا الرّب وَلَيْسَ آخَرَ.” (إشعياء ٤٥: ٢٢). ” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ الرّب الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.” (يوحنا ٣: ١٦). ويعلن المسيح نفسه: ” تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.” (متى ١١: ٢٨)
قرر الفريسيون، من تلقاء أنفسهم، رفض المسيح، مدركين أنهم يرفضون الحق. فقد توسل إليهم الروح القدس مرارًا وتكرارًا لقبول المسيح، لكنهم لم يستمعوا. احترم الرّب قرارهم ببساطة، ولم يتدخل في خططهم، بل واصل في تحقيق مقاصده الإلهية لخلاص البشرية.
للمزيد حول موضوع القدر، راجع الرابط التالي:
التعليقات
كن أول من يعلق على هذا المقال — شاركنا أفكارك في الأعلى وابدأ النقاش.