Table of Contents
خداع الساعة الأخيرة
حذر الرسول يوحنا المؤمنين من توقع خداع روحي مع اقتراب النهاية ، وأطلق عليه اسم “الساعة الأخيرة”، مشيراً إلى أن العديد من أضداد المسيح كانوا نشطين بالفعل. كان هدفه رعوياً؛ إذ أراد للكنيسة أن تظل راسية في الحق مع يسوع، وأن تظل في شركة، وتقاوم التعليم الذي يحرف الإنجيل. تستعرض هذه الدراسة رسالة يوحنا الأولى ٢ : ١٨ – ٢٣ وتبين كيفية رصد الخداع، وسبب أهمية ذلك، وكيفية الثبات في المسيح.
ماذا يقصد يوحنا بالساعة الأخيرة؟
كتب يوحنا: «أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ» (١ يوحنا ٢ : ١٨). بالنسبة ليوحنا، بدأت الساعة الأخيرة بموت يسوع وقيامته وعطية الروح القدس. تعيش الكنيسة في وقت إتمام وانتظار؛ لدينا عربون الملكوت ونتطلع إلى كماله عند عودة المسيح. لا ينظر يوحنا فقط إلى شخصية مستقبلية تسمى “ضد المسيح”، بل يحذر أيضاً من “أضداد مسيح” كثيرين ينكرون المسيح في الحاضر. لقد ترك المعلمون الكذبة الجماعة وكانوا ينشرون ادعاءات عن يسوع تناقض الحق الرسولي، وكشف أنهم «لَمْ يَكُونُوا مِنَّا» (١ يوحنا ٢ : ١٩).
الخداع الجوهري: إنكار الابن
يوحنا مباشر جداً في طرحه: «مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ. كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضاً، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضاً» (١ يوحنا ٢ : ٢٢ – ٢٣). القضية ليست فروقات ثانوية، بل هي هوية يسوع ذاتها؛ فإِنكار الابن يعني فقدان الآب، والاعتراف بالابن يعني نوال الآب أيضاً. في أيام يوحنا، أنكر البعض أن الابن الأزلي جاء حقاً في الجسد، وحاول آخرون فصل “يسوع” عن “المسيح”، وكأن المسحة الإلهية حلت فقط على مجرد إنسان لفترة قصيرة. يقول يوحنا: لا، يسوع هو المسيح، هو الكلمة الأزلي الذي صار جسداً، وهو الابن الذي يعلن الآب. الأمانة للإنجيل تعني الاعتراف بهذا الحق.
سياق رسالة يوحنا الأولى ٢ وثقة الكنيسة
تتحدث رسالة يوحنا الأولى، الأصحاح الثاني، عن معرفة الرّب، وحفظ وصاياه، ومحبة الإخوة، ومقاومة العالم، والتمسك بالرسالة الرسولية. يقدم يوحنا أيضاً تعزية قوية: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ» (١ يوحنا ٢ : ٢٠). هذه المسحة هي الروح القدس الذي يعلم ويحرس ويبقي المؤمنين ثابتين في المسيح وفي الكلمة التي سمعوها من البدء (١ يوحنا ٢ : ٢٤ – ٢٧). الطاعة والمحبة والعقيدة السليمة تسير معاً؛ فالثبات في المسيح يعني البقاء في محبة الرّب، وطاعة وصاياه، والتمسك بحقيقة يسوع.
كيف يبدو الخداع اليوم؟
لا يزال الخداع يتخذ أشكالاً عديدة، وقائمة يوحنا تنطبق جيداً على عالمنا المعاصر:
- خطأ كريستولوجي: أي صوت ينكر اللاهوت الكامل أو الناسوت الكامل ليسوع، أو يختزله في مجرد معلم أو نبي، يناقض الأسفار المقدسة (يوحنا ١ : ١، ١٤؛ كولوسي ٢ : ٩).
- تحريف الإنجيل: التعليم الذي يضيف الأعمال إلى أساس التبرير أو يزيل التوبة من الإيمان يفسد النعمة (أفسس ٢ : ٨ – ٩؛ أعمال ٣ : ١٩).
- التقليل من شأن الأسفار المقدسة: الادعاءات التي تنقل السلطة بعيداً عن الكلمة الرسولية إلى رؤى خاصة أو ضغوط ثقافية تقوض الأساس (٢ تيموثاوس ٣ : ١٦ – ١٧).
- التحلل الأخلاقي: النعمة التي تبرر الخطية بدلاً من تحريرنا منها تنكر قوة الولادة الجديدة (تيطس ٢ : ١١ – ١٤؛ ١ يوحنا ٣ : ٤ – ١٠).
- الكبرياء الطائفي: القادة الذين يجذبون الناس بعيداً عن الكنيسة لبناء أتباع خاصين بهم يشبهون أولئك الذين «خَرَجُوا مِنْ بَيْنِنَا» (أعمال ٢٠ : ٢٨ – ٣٠).
خمسة اختبارات بسيطة للحق والضلال
تقترح رسالة يوحنا اختبارات واضحة يمكن لأي مؤمن استخدامها:
١. اختبار يسوع: هل يعترف هذا التعليم بيسوع المسيح كالابن الأزلي الذي جاء في الجسد، ومات عن خطايانا، وقام جسدياً من بين الأموات؟ (١ يوحنا ٤ : ٢ – ٣).
٢. اختبار الإنجيل: هل تعلن هذه الرسالة الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان بالمسيح وحده، منتجة توبة وحياة جديدة؟ (غلاطية ١ : ٦ – ٩).
٣. اختبار الأسفار المقدسة: هل يخضع هذا التعليم للكتاب المقدس كمرجع أخير للإيمان والممارسة؟ (إشعياء ٨ : ٢٠).
٤. اختبار الطاعة والمحبة: هل يشجع على القداسة ومحبة الإخوة والأخوات، وليس الكبرياء أو الإباحية؟ (١ يوحنا ٢ : ٣ – ٦).
٥. اختبار الكنيسة: هل هذا التعليم خاضع للمساءلة أمام جسد أمين من المؤمنين والشيوخ، أم أنه معزول وغير قابل للتصحيح؟ (عبرانيين ١٣ : ٧، ١٧).
لماذا ينجذب الناس إلى الخداع؟
يلاحظ يوحنا أن المعلمين الكذبة تركوا الكنيسة وجذبوا آخرين وراءهم. لماذا يتبعهم الناس؟ يشير الكتاب المقدس إلى ثلاثة دوافع: أولاً، الرغبة في “أشياء جديدة” بدلاً من الكلمة القديمة التي تخلص. ثانياً، جاذبية العالم وشهواته. ثالثاً، تعظم المعيشة (الكبرياء) الذي يبحث عن رسالة تداهن الإنسان بدلاً من أن تبكته. علاج يوحنا هو عدم محبة العالم والثبات في ما سمعتموه من البدء (١ يوحنا ٢ : ١٥ – ١٧، ٢٤).
كيف تثبت في الساعة الأخيرة؟
لا يترك يوحنا المؤمنين قلقين، بل يعطيهم طريقاً للمرونة:
- اثبت في الكلمة الرسولية: اجعل الرسالة التي سمعتها في البداية تحيا فيك. اقرأ وتأمل في الأسفار المقدسة يومياً (١ يوحنا ٢ : ٢٤؛ مزمور ١ : ١ – ٣).
- اعتمد على مسحة الروح: اطلب من الروح القدس أن يعلمك ويحرسك؛ فهو لن يقودك أبداً بعيداً عن الكلمة التي أوحى بها (١ يوحنا ٢ : ٢٧؛ يوحنا ١٤ : ٢٦).
- ابقَ في الشركة: ابقَ مزروعاً في كنيسة تعلم الكتاب المقدس وتمارس المحبة والانضباط والتبشير؛ فالمؤمن المنعزل فريسة سهلة (أعمال ٢ : ٤٢ – ٤٧؛ عبرانيين ١٠ : ٢٤ – ٢٥).
- مارس التمييز بتواضع: امتحن كل شيء، وتمسك بما هو حسن، وافعل ذلك بوداعة ووقار (١ تسالونيكي ٥ : ٢١؛ ١ بطرس ٣ : ١٥).
- لاحظ حياتك وعقيدتك: راقب كليهما عن كثب؛ فالنمو في القداسة يحرس قلبك، والوضوح في الحق يحرس عقلك (١ تيموثاوس ٤ : ١٦).
الخاتمة: رجاء الكنيسة في الساعة الأخيرة
تحذيرات يوحنا حازمة، ومع ذلك فإن نبرته مليئة بالرجاء: لك مسحة من القدوس، أنت تعرف الحق، الكلمة تثبت فيك، الآب والابن يمسكان بك، والروح يعلمك. سيظهر المسيح ولن تخجل أمامه عند مجيئه. الرد على الخداع ليس الخوف، بل هو شركة أعمق مع الرّب وشعبه، وعودة ثابتة إلى الكلمة التي سمعناها من البدء، واعتراف واضح بالابن الذي يأتي بنا إلى الآب. اسلك في النور، أحب الإخوة، واحفظ نفسك من الأصنام؛ فيسوع كافٍ للساعة الأخيرة.

Comments
Be the first to comment on this article — share your thoughts above and start the discussion.